أصبحت منطقة الشرق الأوسط واحدة من أكثر المناطق ديناميكية في قطاع التمويل العالمي. وخلال العقد الماضي، برزت كوجهة رئيسية لرؤوس الأموال الدولية، وتعكس الأرقام هذه الحقيقة بوضوح. إذ يضم إصدار عام 2026 من مؤشر المراكز المالية العالمية (GFCI) عدداً من مدن الشرق الأوسط ضمن أبرز المراكز المالية في العالم، كما تُصنف مدن مثل الرياض ضمن أكثر خمس مدن مرشحة لاكتساب أهمية مالية كبيرة خلال السنوات المقبلة.1 وفي عام 2025، تم تصنيف دولة الإمارات العربية المتحدة كثاني أكبر سوق للتكنولوجيا المالية (FinTech) على مستوى العالم بعد الولايات المتحدة.2
تحدثنا إلى أربعة من قادة القطاع المالي المرتبطين ارتباطاً وثيقاً بالمنطقة لاستطلاع آرائهم حول الأسباب التي تجعل الشرق الأوسط محط أنظار العالم اليوم.
1. الأطر التنظيمية تدعم الابتكار بدلاً من إعاقته
" نتبنى نهجاً استشرافياً في التنظيم والرقابة. فعلى سبيل المثال، في مجال الأصول الرقمية [وهي تمثيلات للقيمة تُحفظ على شبكات بلوكتشين مؤمنة بالتشفير]، تُعد أبوظبي من أبرز البيئات الداعمة عالمياً. وقد تعامل أبوظبي العالمي (ADGM)، منذ البداية، مع هذه الأصول باعتبارها جزءاً من منظومته المالية المتكاملة. ومنذ عام 2018، تمتلك سلطة تنظيم الخدمات المالية إطاراً تنظيمياً متخصصاً للأصول الرقمية، وحرصنا على إبقائه متوائماً مع متطلبات السوق وسهلاً الاستخدام من خلال التواصل المستمر مع الجهات العاملة في القطاع، مما يتيح لنا مواكبة التطورات المتسارعة وإجراء التعديلات اللازمة عند الحاجة. وتُسهم هذه الحلقة المستمرة من التغذية الراجعة في تطوير الأنظمة بشكل عملي وهادف. واليوم، يوجد أكثر من 20 شركة مرخصة من قبلنا لمزاولة أنشطة منظمة مرتبطة بالأصول الافتراضية أو الرموز المستقرة المرتبطة بالعملات النقدية، بما في ذلك شركات الوساطة والحفظ والتداول وإدارة الأصول وإصدار تلك الرموز.
أما فيما يتعلق بتطوير سياساتنا لضمان استمرار تركيزها على الابتكار، فإننا نعتمد نهجاً مبتكراً في عملية التطوير ذاتها. ومن أبرز الأمثلة على ذلك برنامج RegLab ، وهو بيئة تنظيمية تجريبية (Sandbox) تتيح لشركات التكنولوجيا المالية تطوير واختبار حلول مبتكرة قد لا تندرج ضمن الأطر التنظيمية القائمة حالياً، لكننا نرى إمكانية الإشراف عليها وتنظيمها مستقبلاً. وقد ساعدنا هذا النهج في تطوير العديد من الأطر التنظيمية للتكنولوجيا المالية، بما في ذلك إطار التمويل المفتوح والحلول الاستشارية الآلية. ويركز البرنامج الحالي على الأسواق المرمزة القائمة على تقنية البلوكتشين، حيث يتم حالياً اختبار منتجات مثل السندات المخصومة المرمزة. كما أقمنا شراكات مع مؤسسات أكاديمية، من بينها جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي، لتطوير حلول التكنولوجيا التنظيمية (RegTech)، بما في ذلك العمل على تطوير مساعد محادثة ذكي لمساعدة الشركات على التنقل عبر القواعد التنظيمية الصادرة عن الهيئة."
جورج ديفيس،
المؤسس والرئيس التنفيذي، Lorum
2. الموقع الجغرافي يمثل ميزة استراتيجية قوية
"تشهد المنطقة نمواً متزايداً في عدد الشركات العالمية، ونلاحظ اليوم أن المناطق المالية مثل أبوظبي العالمي (ADGM) ومركز دبي المالي العالمي (DIFC) بدأت تشكل بديلاً جذاباً للمراكز التقليدية مثل لندن ونيويورك فيما يتعلق بإدارة السيولة النقدية لهذه الشركات .وتوفر هذه المناطق الاستقرار والخبرات المحلية إضافةً إلى ميزة التوافق الزمني، وهي عوامل جاذبة للشركات العاملة في المنطقة. وكلما ترسخت هذه المنظومة المالية، ازدادت قدرتها على استقطاب المزيد من المستثمرين والمؤسسات.
كما أن الشرق الأوسط يمثل مركزاً طبيعياً لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا (MENA) بأكملها. فقد شهدت أفريقيا أكبر نمو سكاني بين قارات العالم خلال العام الماضي 3.وتشير التوقعات إلى أن أفريقيا ستصبح بحلول عام 2050 أسرع الاقتصادات نمواً على مستوى العالم، متجاوزة الصين والهند والقارتين الأمريكيتين، وبالأخص الاقتصادات المتقدمة .ويتمتع الشرق الأوسط بموقع استراتيجي يؤهله للاستفادة من هذا النمو، لا سيما مع استمرار تطوير البنية التحتية المصرفية في المنطقة."
3. مركز عالمي للتميز في إدارة الخزينة
يشهد الشرق الأوسط اعتماداً متزايداً من قبل مديري الخزينة في الشركات الكبرى لممارسات إدارة الخزينة الحديثة القائمة على الرقمنة، وبدرجة لافتة، الأمر الذي أسهم في تعزيز أداء المنطقة وترسيخ مكانتها كمركز مالي رئيسي .
ومن أبرز الأمثلة على ذلك توحيد البيانات. فالشركات الكبرى في المنطقة تستخدم عادةً مجموعة متنوعة من الأنظمة التقنية، وتكون بياناتها موزعة بين عمليات ودول متعددة .ونلاحظ وجود طلب متزايد لمساعدة هذه الشركات على توحيد وتنظيم بياناتها بحيث تمتلك "مصدراً موحداً للحقيقة" يشمل جميع العملات والأصول.
ومن خلال تحسين مستوى الرؤية والإشراف على العمليات المالية، تتمكن الشركات من اتخاذ قرارات أعمال أكثر سرعة ودقة، بالإضافة إلى تعزيز مستويات الأتمتة .كما تمثل الأتمتة أحد أهم المجالات التي تشهد طلباً متزايداً. فالشركات تعمل على تطبيق حلول آلية توسع قدرتها على إدارة عمليات الخزينة على نطاق أكبر مع الحفاظ على الرقابة الكاملة على السيولة والتدفقات النقدية والتوقعات المالية وغيرها من الجوانب التشغيلية .وكلما حققت الشركات في المنطقة نجاحاً أكبر بفضل هذه الممارسات، ازداد مستوى النمو والاستثمار في المنطقة."
ستيفان مولر،
المالك العالمي للحلول المالية وإدارة المخاطر، SAP
4. أحجام التحويلات المالية تجذب مبتكري التكنولوجيا المالية
"يعالج مجلس التعاون الخليجي أكثر من 120 مليار دولار أمريكي من التحويلات المالية الصادرة سنوياً" وعندما تتعامل مع هذا الحجم الهائل من التدفقات المالية بين آسيا وأفريقيا وأوروبا، يصبح هناك حافز كبير لتطوير أنظمة المقاصة وجعلها أسرع وأكثر كفاءة وقابلة للتتبع بشكل كامل. وهذا أحد الأسباب الرئيسية التي تجعل الشرق الأوسط مركزاً متنامياً للابتكار في مجال التكنولوجيا المالية، وخاصة المدفوعات العابرة للحدود.
لقد بدأنا أعمالنا في المنطقة بسبب وجود تدفقات مالية ضخمة يقابلها نقص واضح في البنية التحتية الحديثة الداعمة لها. لكن هذا الواقع بدأ يتغير الآن .فالمؤسسات المالية المتوسطة الحجم وعملاؤها بحاجة إلى حلول أسرع وأكثر شفافية للمدفوعات الدولية، والشرق الأوسط يعمل على تطوير بنية تحتية تستهدف خدمة الشركات والأفراد الذين لم تتم تلبية احتياجاتهم بالشكل الكافي
وتحتاج المنطقة إلى الاستفادة من موقعها كممر رئيسي للتدفقات المالية العالمية، والاستمرار في تطوير حلول تتيح تنفيذ المدفوعات بشكل أسرع نحو الأسواق الناشئة، نظراً لضخامة حجم الطلب .وتمتلك المنطقة ميزة مهمة تتمثل في قدرتها على البناء من الصفر، حيث تستطيع الأسواق الأصغر اتخاذ القرارات بسرعة أكبر ودون قيود الأنظمة القديمة .ونرى ذلك بوضوح من خلال الاعتماد السريع لحلول الدفع الحديثة في المنطقة، بما في ذلك منصات التكنولوجيا المالية والعملات المستقرة والعملات الرقمية القابلة للبرمجة الصادرة عن البنوك المركزية."
https://www.jpmorgan.com/payments/payments-unbound/sources
Illustration: Yo Hosoyamada